الخميس، 28 يوليو، 2011

الخطيئة

اشجار باسقه نسمات لطيفة تداعب الاغصان هدوء وسكون يعارك صوت زقزقة العصافير سماء صافية وبعض من الغيوم العابرة متناثرة هنا وهناك صرير عالي ينتصر على الصمت يصدر من بوابة كبيرة سوداء يسحبها بعجله رجل يرتدي زي الحراسة ..ومن ثم تخرج ام عصام تسحب عربة للنفايات لترميها في الحاوية القريبة من الدار سرعان ما رجعت القت التحية على الحارس يرد عليها وهو مهتم بحمل خرطوم الماء خرج به خارج البوابة, فبادرت ام عصام وفتحت صنبور الماء التفت اليها وشكرها بأيمة بعينه ,راح الماء يتدفق بقوة وبدء يصب على الاسفلت امام الدار, حطت بعض العصافير لترتشف من الماء بمناقيرها الصغيرة وسرعان ما تطير خوفا من الحارس ....
بدأت محركات السيارات تعلن عن بدء العمل وعن صخب النهار الكل راح يتحرك كسرت هيمنت الصمت..الأصوات تعم الاجواء آتية من كل مكان من اقدام المارة من صخب المعامل وحتى البيوت تصدر اصواتا مختلفة ..الأطفال يركضون لان صوت بوق الحافلة يناديهم ليقلّهم الى مدارسهم ,خيوط الشمس راحت تزاور البيوت لتتخلل النوافذ .خرجت امرأة من الدار تعلو عينيها نضارة تبدو على ملامحها الجدية المفرطة يقف خلفها طابور من الاطفال جميعهم من فئة عمرية واحدة ...
اقتربت حافلة من الدار لتقلهم الكل صامت الا صغيرة تقف خلف الطابور دموعها تنهمر بكثافه وصراخها جعل الاطفال ينظرون اليها بنظرات خائفة وفيها حيرة واستنكار صعد الجميع بانتظام تحركت الحافلة حيث المدرسة ...بقي الدار خاليا الا بعض من المربيات والعاملات يوظبن الاسرة ..راحت ام عصام توجه تعليماتها للعاملات وماذا يعددن من طعام للغداء حينما يعودوا الاطفال من المدرسة ..
اشتدت حرارة الشمس في منتصف النهار حرارة جعلت كل شيء ملتهب بدأوا الناس يشعرون بالتعب وشارفوا على نهاية اعمالهم ازدحمت الشوارع بالمركبات عاد الجميع الى منازلهم ليسكنوا ولينعموا بالراحة بعد فترة صاخبة من العمل والالتزامات ...وقفت الحافلة فتح الحارس البوابة ليدخل الاطفال نزلوا جميعهم على شكل طابور دخلوا الدار كل يعرف مكانه ..نزلت فاطمة هي تلك الصغيرة التي غرقت عيناها بالدموع تنزل من الحافلة منهكة متشبثة بيديها الصغيرتين بيد المسؤولة فاتن هي الاخرى بان عليها التعب ترفع يدها لتمسح نظارتها وشحتها قطرات من عرق جبينها القت التحية على الحارس ونبهته بان يغلق البوابة جيدا ولا زالت فاطمة تتنهد ومتمسكة بقوه بيد فاتن ..الجميع تهيأ الى الغداء بعد ان غيروا ثيابهم وتجهوا نحو المطبخ حيث تتوسطه طاولة كبيرة دار الاطفال من حولها اصدروا ضجيجا بسحبهم الكراسي ,ارتفع صوت فاتن موبخه لهم اريد نظام لاستصدروا اصوات مزعجه هيا اجلسوا وتهيأوا للطعام وعادت وصرخت بصوتها المختنق العال لا تتكلموا.. كم من المرات قلت لا اريد حديث عند الطعام من يتكلم فليخرج ويحرم من وجبته خاف الاطفال وسكتوا لكن نظراتهم بقيت تتكلم وقلوبهم تنبض بسرعة تعبر عن الخوف الجارف بأجسادهم الصغيرة والنحيلة انتهوا من الاكل انفضت اطباقهم وكأنهم متفقين على انها يجب ان لا تفوتهم ,ما زالت وجبة العشاء بعيده وقفوا طوابيرا امام دورة المياه وكأنهم عسكر بحجوم صغيرة وبراءة صافيه صرخات المربيات راحت ترتعد في اذان الصغار وهي اتية من كل اتجاه من اروقة الدار...
اسكتوا اذهبوا الى مخادعكم لا تتشاجروا النظام ...النظام ....النظام
نظام قاتل تعود عليه هؤلاء الصغار الخوف ينتصر على كل شيء في قلوبهم لا يستطيعون ان يمارسوا طفولتهم كباقي الاطفال ,لا يخرجون ليلعبوا الكرة خارج منزلهم, ولا يتعرفون على اصدقاء خارج هذي الجدران العالية ,وتحت وطأة الحراسة المشددة من كل جانب ومكان... حياتهم تسير على الدقائق والساعات لباسهم زي موحد ليس من حقهم ان يختاروا ويشتهوا وان تعبوا وحزنوا لا يجدون الحضن الدافئ ليحضنهم كل ينطوي على الامه ويتخذ من سواد الليل وسيلة له طفولة باردة ودار خاوية رغم امتلائها بكل هؤلاء الاطفال والعاملين !..سكون قاتل يخيم على الدار لا يخرج منها سوى صوت مكيفات الهواء...
المنازل المجاورة للدار فيها روح رغم انها ليس بمستوى حداثة الدار لكن لها ضحكات ترتفع ..
مرح اطفال ..
ورائحة حلوا تخرج من فرن ..
رنين هاتف ..
او نداء جاء بابا ..
شجار اخوان ..
و...و...و...و...و
كل هذا الذي يجري في الجوار يفتقده الدار لان هؤلاء اطفال الخطيئة هم لعنة اتية من السماء ....
وقفت سيارة اجرة نزلت منها فاطمة ..عمال بناء كثر ومجرفة وصوت مطارق اندهشت!!! احست بان الامل الذي عاشت تترقبه طوال حياتها قد تبدد غربة اخرى ستعيشها غربة اليأس الابدي ..انحدرت دموعها بصمت وقفت امام ركام الدار تحدث بقيا من زمن ولى عذرا يا اختي هذا اخر عام ازور به الدار الذي عشنا طفولتنا به لا استطيع ان اسأل عنك هذا العام لقد هدم الدار عشرون عاما وانا لا امل من السؤال عنك ما زالت تحضرني ذكرى يوم فراقنا ما زالت اناملك التي كانت تتمسك بي يقوه عندما ابعدك الزمان الجائر عني احس بها .. سمعتهم عندما اشاروا عليك نريد هذه الفتاة لنتبناها اخافني كلامهم وارعد كل ما في داخلي جاء اليوم رحلتي تركتيني اعاني برودة ايامي..
بعدك رحلت احلامي وعاشرتني الالام بكيت ,خفت ,صرخت, ناديت, توسلت ,لم يشفع بكائي ولا توسلاتي ولا كل انيني عانقت بقايا ذكرياتك عانقت سريرك الخالي انت توأمي فلنا نفس الملامح طالما كنت اقف امام المرآة لأرى وجهك
ها هو الدار قد هدم على كل ذكريات طفولتنا يقولون سوف يبنون عليه ملاهي للأطفال سوف يمرحون ويلعبون على أرض حرماننا ........

صعدت فاطمة السيارة ورحلت تواجه مصيرها فهي لازالت بنت الخطيئة فلابد لها ان تعيش غربة دون اهل ولا من يعاشرها فما زالت السماء تلعنها رحلت وبقت تسأل بسؤالها الازلي من انا ماذا فعلت لمَ هذا العقاب خطيئتي اتيت انا وأختي دون ان نعلم وافترقنا دون ان نعلم يا لسخرية الزمان سوف نموت دون ان نعلم ؟؟....


الاثنين، 25 يوليو، 2011

ليس كما تضنون

كعادتها تسير في الشوارع تتحدث بكلمات غير مفهومة وكأنها تحدث نفسها او تعيب ما تسمعه من تقول الناس واشارتهم عليها ...لم يتغير مظهرها منذ أن عرفتها عند قدومها الى حينا سوى بعض علامات الزمن ترسم ما تكتبه الحياة على وجهها ..
تقف امامي كلما تعثر علي في طريقها وتلك ابتسامتها الرمادية تخيفني كلما واجهتني بها ...يقولون بأنها غريبة عن الحي حيث هربت من اهلها لكونها مجنونه ....
تحمل حقيبة قديمة اظن تحفظ بداخلها بعض ثيابها ..تجلس تحت شرفة غرفتي كل مساء حيث تفترش الارض وتلتحف بالسماء تجوب حولها القطط لتلتقط بعض فتات الخبز التي تركتها على الارض ... تهمس ببعض الكلمات عند الصباح لا أعلم ماذا تقول او انني لا أسمعها ..كنت اراقبها اظن انه فضول دفعني بأن اتعرف على قصتها أم لأنها لم تكن تتصرف ككل المجانين فلها تصرفات غريبة تحوي بأنها امرأة مسكينة ركلها الزمان ...
أمرأه تجوب في الشوارع بثيابها الرثة بنظراتها الحائرة .....؟؟
وعباراتها الغير مترابطة بضحكاتها الساخرة تلعنها السماء وهي تلعن الجحيم...
تتأمل السماء وكأنها تدعو بنظراتها بارتعاش شفتاها وهي طاوية يديها على صدرها وكأنها تحمي نفسها من الخوف...
شحوبا يبدو على ملامحها
 تخجل أو تحزن عندما ترى بنات جنسها حينما تراهن في الشوارع بثيابهن العارية ويتقلدن المجوهرات  الثمينة...تبتعد عنهن وكأنها تشم رائحة نتنة أو ترعبها ضحكاتهن المتفاخرة ...
يزين شحوبها تلك الدمعة اللؤلؤية عند عزلتها بعيدا عن صخب الناس وضجيجهم ...
على عتبة تلك الدار المهجورة تجلس وتتكلم وكأن يوجد من يبادلها الحديث تبكي تبتسم تضجر تعزف على اوتار الحياة بصرخاتها الغاضبة ...
تصاعدت التكبيرات الى غرفتي وهاجت كموج البحر ..تنفس الصباح لتوه وطلا الافق بلونه الرمادي مصابيح الشوارع بدت باهتة تلاشت النجوم شيئا فشيء لازال الهدوء يسيطر على المدينة وقفت على الشرفة وأنا انظر الى تلك اللوحة الصامتة رسمت بيد لعنة الجحيم بجريان الغضب بأنهارها بصياح هوائها برجم امطاها على الاشجار الخائنة ....
ماتت تلك المسكينة هكذا سمعتهم يقولون بألم وتذمر وهم يحملونها الى مثواها الاخير بقيت امتعتها تاركة ,انفاسها, كلماتها ,لعناتها, هدوئها ,صخبها ,ضياعها على كل من حقيبتها, نعلها,  اوراقها حيث هي التي تحمل هويتها الضائعة ...
وقفت كلماتي حائرة لا تعلم كيف تعزي همساتها في تلك الزاوية على عتبة البيت المهجور.. جاءت الشمس تحي المدينة بخيوطها الذهبية كل انشغل بمشاغله وبقي الصمت يلعن الضجيج....