الثلاثاء، 31 مايو، 2011

خطوات نحو المجهول

المطر يتساقط بغزارة مبللا البيوتات العالية ،قطراته تلوح من بعيد لامعة وكأنها قلادة من حبات اللؤلؤ قد قطعت في هذا الوادي السحيق ..
توقف المطر لتوه ,الهدوء يعم بالمدينة ,,وهناك ظلام مطبق وكأنه وحش ماد ذراعيه في كل مكام ,وصوت يشق السكون بتكتكة من قطرات المطر المتساقط من اعلى جدران الاطلال .
اطلال قد هجروها اهلها مذ زمن بعيد ,وها انا اعيش فيها ...لااعلم من انا فلا احد يراني لكنني اراهم كما لو كنت خيالا او شبحا ...اسير بين الناس ,احدثهم دون ان يسمعوني ..يخترقون جسدي ويكملون مسيرهم ..

هل انا انسان ام مجرد مخلوق لا تفسير له ؟ هل انسان من يبحث عن مجهول تائه فيه؟ هل هذا المجهول موجود يشبهني ؟هو غريب جدا رغم الفتي له .
ها انا الان ارى مجهولا في النقطة البعيدة بمقدار مد البصر ,لكنني كلما اقتربت منه يبتعد اكثر فجأة توقف المجهول ,وكأنه ينتظرني ...قدماي بدأتا ترتعشان ,لم اقوى على المسير لاكمل سيري ...رمقني بنظرات بريئة وكأنه يتسائل عن هويتي ,لكني اشعر في اعماقي اني كنت اعرفه .
اقترب مني اكثر فتسارعت دقات قلبي وبان على يدي الارتعاش وعلى قدامي التقهقر ,فصرخت بكلمات متقطة :ماذا تريد؟ .
فبادرني بابتسامة وكأنه يريد مداراة حرجي ,وانبس بكلمات خافتة :الم تبحث عني منذ زمن بعيد ,الم تلوح الي بيديك ؟
ساد صمت بيننا ..اخذبيدي وراح يسير بين الاطلال ..تباطأت خطواته وغابت ابتسامته ,وبعد صمت طويل اشار الى ارض واسعة تقع بين بيوت طينية , فأذا بقبور قد اندثرت تحت الارض , وبعضها قد نبتت الحشائش عليها ..وقال بكلمات متراجعة هنا الجسد الذي كنت تسكن فيه ..تراجعت خطوة ,فقد دب الخوف في حنايا روحي اكمل كلماته ,طأطأ رأسه ,وبدأعلى مقاطع حديثه الخيبة :قبل ان يواري جسدك التراب كنت تبحث عني ,كنت بعيدا عنك ,لازال نداؤك يملأ اذنيي لكن لم يكن بيدي ان اجيبك .
بادرته بسؤال :ماذا اريد منك، وكيف التقيت بك بعد طول النداء ,
فأجاب :البحث عن الذات
بعدها راح يتأمل القبور المحيطة بنا، تجرأت خطواتي فذهبت الى القبر الذي يسكن فيه جسدي لاتأمل ذلك الجسد وهو تحت التراب ,فلا بد قد ضاعت ملامحه كما ضاعت ذاكراه .التفت الى الخلف فأذا المجهول قد اختفا ,احسست بالضياع مرة اخرى ,كنت اريد ان اسأله عن الكثير مما اجهله :
خرجت من المدينة وتجولت بين هذا العالم الفسيح انظر الى الناس وهم مشغلون في دوامة الحياة لمحت المجهول بينهم ركضت اليه مسرعا ، مددت يدي لاصافحه فأذا بيدي تخترق جسده ولم يبالي .
عدت الى الاطلال لعلي اجد جسدا بلا روح لاسكن فيه .

هناك تعليق واحد: